الرسول “صلى الله عليه وسلم” والضرب

 

د. مصطفى أبوسعد

 

هل نضرب أبناءنا؟

وما المصلحة المرجوة من ذلك؟ وما المفسدة من ذلك؟

مهم أن نطرح الموازنة بين المصالح والمفاسد في التأديب من خلال العقوبة البدنية متبعين في ذلك منهج القرآن الكريم: “يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما”.. المنافع ثابتة لكنها لا تكفي لإباحة الخمر والميسر..

 

يستدل المؤيدون للضرب بكونه وسيلة تربوية للتأديب بحديث رسول الله “صلى الله عليه وسلم”: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع”.

 

وما أفهمه من الحديث النبوي من موقعي التربوي وزادي مما تعلمته من علمائنا الأفاضل:

1. تعويد الأطفال من سن السابعة:

وهذا واضح بصيغة الأمر (مروا) والأمر يفيد الوجوب.. والحكمة من ذلك أن يستأنس الطفل ويعتاد على الصلاة فيسهل عليه إقامتها إذا وصل سن البلوغ.

 

2. الطفل أكثر استعدادًا في سن السابعة، فهو يومها أسلس قيادًا وأسرع مواتاة وأميل الى التقليد:

بل هو في طور بناء عاداته السلوكية، وعزيمته مرتفعة لا يشوبها شائب.

 

3. مسؤولية الكبار أعظم.. والضرب مطلوب على الكبير قبل الصغير:

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا رائعًا في هذا المجال: “ويجب على كل مطاع أن يأمر من يطيعه بالصلاة، حتى الصغار الذين لم يبلغوا، قال الرسول “صلى الله عليه وسلم”: “مروهم للصلاة لسبع …الخ” ومن كان عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد ولم يأمر بالصلاة فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير على ذلك تعزيرًا بليغًا، لأنه عصى الله ورسوله”.

 

4. التدرج سنة تربوية وطبيعة بشرية:

ثلاث سنوات من العمل والتعويد والتشجيع والتدريب كافية لأن يلتزم الطفل بالصلاة ويبرمج عليها عقيدة وسلوكًا ونظامًا بحياته.. وهذه السنوات الثلاث تعد تدرجًا في عملية الالتزام بالصلاة.

 

5. ثلاث سنوات كافية للبرمجة الإيجابية:

ثلاث سنوات يعني (5475) صلاة مرت على الطفل، (5475) وقت انتظم فيه الطفل..

وهذا يعد كافيًا لبرمجة الطفل على إقامة الصلاة، وأي طفل خضع لهذا العدد الهائل من التكرار لا يمكنه أن يشذ على الصلاة أو يتركها، ولا يفعل ذلك إلا الحالات الشاذة، والشاذ علاجه الكي.

 

6. الصلاة أنموذج للتعامل مع باقي السلوكيات:

والسؤال المطروح: هل يضرب الطفل مثلاً على عناده وهو ابن ثلاث سنوات؟ أو عند كثرة حركة؟ أو عند كذب أحيانا؟ أو عند تخريب لأثاث المنزل؟

مهما اختلفنا حول الإجابة فإننا لا يمكن أن نختلف حول دور الأب والأم التربوي.. وهو تعليم الطفل لفترة ثلاث سنوات قبل أن يحق لنا اللجوء إلى العقاب، علمًا بأن الكثير من سلوكيات الطفل المزعجة هي علامات النمو السليم في حياته، والجهل وقلة الصبر يجعلانها مزعجة، وقياساً على الصلاة فإنه يفهم من الحديث ما يلي:

أ- ثلاث سنوات من التعليم: بمختلف الوسائل التشجيعية والتدريبية.

ب-لا يضرب الطفل قبل عشر سنوات: ضرب الطفل قبل أن يصل سن عشر سنوات فيه منافع عاجلة يراها الآباء، لكن مفسدته على المدى الطويل أكبر بكثير.

 

7. الرسول “صلى الله عليه وسلم” ما ضرب قط:

إن الاستدلال بحديث الضرب مطلوب بفهم الحديث، والمطلوب كذلك الاستدلال واستحضار أنه صلى الله عليه وسلم ما ضرب امرأة له ولا خادمًا، ولا ضرب شيئًا بيده قط إلا في سبيل الله، أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله عز وجل.

 

أنس بن مالك يلخص عشر سنوات من ممارسة الرسول “صلى الله عليه وسلم” التربوية: “خدمت رسول الله عشر سنين فلم يضربني ضربة قط، ولم يسبني، ولم يعبس في وجهي، وكان أول ما أوصاني به أن قال: يا بني اكتم سري تكن مؤمنًا، فما أخبرت بسره أحدا وإن كانت أمي، وأزواج النبي يسألنني أن أخبرهن بسره فلا أخبرهن ولا أخبر بسره أحدًا أبدًا”.

 

8. التأديب بالاحترام والتقدير والمحبة والثقة لا بالخوف والهيبة:

إن طبيعة الطفل أنه يحترم ويقدر من يحب لا من يخاف، والسلوك الطلوب أن نجعل الطفل يحبنا ويخاف غضبنا.. بتوازن.

 

وقفــــــــــــــــــــة:

من أين نتعلم التربية.. من كتب مترجمة! من لغة أخرى! ومن بيئة حضارية مختلفة؟!

التربية عملية تهتم ببناء الإنسان من مختلف مكوناته الروحية والعقيدية والوجدانية والفكرية والجسمية، لذلك لو أردنا الاستفادة أن نقنن ما نطلع عليه من الغرب، التقنين ليس حرفياً وإنما تكييف ما قد يصل له العالم هناك ليتناسب مع بيئتنا وعرضه على معاييرنا وقيمنا ومعتقداتنا التي تشكل الهوية.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.